Sunday, April 4, 2010

حصن التعكر.. مصيف الملكة أروى يعاني من الإهمال

حصن التعكر.. مصيف الملكة أروى يعاني من الإهمال

استطلاع- محمد حسن مزاحم

السبت 20 مارس - آذار 2010

جبل التعكر من أشهر الحصون والقلاع الحربية في التاريخ اليمني القديم لا سيما في عهد الدولة الصليحية.. عندما تفكر بالذهاب إليه.. لمعرفة تلك الأسرار التي تحدث عنها المؤرخون، فإن ذلك يتطلب منك المرور على مدينة جبلة التي تقع شمال شرق التعكر، والتي ارتبط اسمها باسم الملكة أروى بنت أحمد الصليحي وقد جعلت من جبلة العاصمة السياسية لدولتها ومن جبل التعكر منتجعاً سياحياً لها خاصة في موسم الأمطار والإخضرار..



عندما تصل إلى حصن أو جبل التعكر “كما يحب تسميته المؤرخون” فأنك لن تنسى فيما بعد هذا المكان فالحصن لا تجد شبراً من الأرض التي حوله إلا يسيطر عليها الإخضرار..

إضافة إلى أن موقع الحصن الذي يرتفع حوالي “3000” متر فوق سطح البحر يجعلك تسبح في ملكوت الله حيث تستطيع وأنت في قمته أن تمد نظرك إلى أبعد ما يمكن أن يتصوره المرء حيث يطل الجبل من الناحية الجنوبية الغربية على مدينة ذي السفال وأجزاء من السياني ومن ناحية الشمال يمكن مشاهدة مدينة جبلة والوقش وسائلة جبلة ومفرق جبلة أما من الجهة الجنوبية الشرقية فيمكن مشاهدة مدينة السياني وعندما تطل من أعالي جبل “التعكر” فأنك حينها ستشعر وكأنك طائر يطير بجناحيه في السماء، وتزيد لديك أحاسيس الفرح والسعادة عندما تنقل نظرك من جهة إلى أخرى لتشاهد الفضاء الواسع الأفق الرحب، والمناطق الجميلة دائمة الاخضرار والتي يتجه المزارعون لزراعتها ورعايتها ومن ثم حصادها.

وأنت في أعلى قمة جبل التعكر وتحديداً في وسط الحصن المتهالك حالياً فإنك سترى جبل صبر الذي يأتي إليك بكل ما احتوى من عظمة وجمال وتعرجات ليقول لك ها أنا المنافس الحتمي لجبل التعكر، فتدرك عندها أنك بين عظيمين ولا مقارنة بينهما.

وعندها تلتف ببصرك قليلاً لتشاهد أمامك جبل صقاة في تعز وجبال المقاطرة وقلعتها العظيمة.. وعندما تركز أكثر في تأملك إذا ساعدك نظرك على ذلك فأنك ستشاهد على مدى نظرك جبال سورق وماوية.

أما إذا أدرت ظهرك لتلك المعالم البارزة والهامة.. عندها سيذهب بصرك المنتشي برؤية تلك المناظر الخلابة للسير مع هبوب الرياح المنعشة إلى جبل بعدان الحاضن لمدينة إب وحصن حب وبلاد الشعيبي التي تشتهر بزراعة شجرة القات، ومديرية السبرة وبلاد الجماعي..

وبمجرد الانتهاء من مشاهدة تلك المعالم سيتجه نظرك شمالاً لترى نقيل سمارة وطريقه الملتوي كالثعبان والقفر وجبل الخضراء في حبيش وإذا ما تحرك جسمك وبصرك نحو الجهة الشمالية الغربية فسيظهر لك جبال العدين وشوكة حرد ونقيل العقاب وجبال حزم العدين والأبعون وأجزاء من تهامة، إلى الغرب فسينطلق بصرك إلى جبال مزاحم في مذيخرة ولو ساعدك نظرك لرأيت جبال شرعب وما هو أبعد من ذلك.. كل هذه المناظر كفيلة بإزالة الهموم والأحزان وتحريك أحاسيسك الشاعرية وتحولك إلى فنان ترسم وتزين بالريشة أجمل اللوحات.

عندها لابد أن تطير بحواسك وجسمك إلى أعلى قمة في جبل التعكر والتي ستدرك أنه يوجد في قمة حصن منيع كان ومازال يعرف باسم التعكر رغم أن معالمه حالياً كادت أن تندثر.

حصن التعكر تاريخياً

ورد في كتاب “صفة جزيرة العرب” مايؤكد عراقة وأصالة حصن التعكر الضاربة في جذور التاريخ.. حيث عده الهمداني بأنه من شوامخ الجبال التي في رؤوسها المساجد الشريفة.

وتؤكد المراجع التاريخية كـ”فقهاء اليمن” لعمر بن علي بن سمرة الجعدي و”الأكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير” لأبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني وكتاب “تاريخ وصاب الأعتبار في التواريخ والآثار” لمؤلفه وجيه الدين الحبيشي الوصابي أن حصن التعكر مسكنه جمان من يحصب الأسفل وأن جبل جناد من التعكر إلى ريمة مكان اسمها عرفه وأساس التعكر من “3000” سنة بل تذهب بعض الكتب التاريخية للقول “أن التعكر منذ أن تم بناء الحصن فيه تعود إلى ستة آلاف سنة”.

وتضيف هذه المؤلفات أن جبل أو حصن التعكر كان يسكنه قبل الإسلام راهب يسمى “سطيح التعكر” ولذلك سمي الحصن فيما بعد باسمه..

ويؤكد هذا القول أبو محمد الحسن الهمداني في مخطوطه الأكليل نقلاً عن رواة معتمدين مثل كعب الأحبار وهو تابعي جليل حيث قال “إنه أدرك من عشيرته من لقى سطيحاً التعكري” وهو كاهن ذو صيت تميز بالحكمة والدراية وقد نقل أنه كان يتخذ من حصن التعكر مسكناً وكان الناس يأتون إليه من كل مكان ليأخذوا عنه الحكمة.

ونقل عن كعب الأحبار أنه قال “في اليمن بقاع منها أربع مقدسة وأربع مشئومة أو محرومة وثمانية كنوز والبقاع المشئومة أو المحرومة هي في “الجبل الاشهب” وهو من أشهر جبال اليمن الذي سيظهر فيه الخراب وتعوي فيه الذئاب والجبل الأشهب هذا عند الهمداني نقلاً عن أحد طلابه هو التعكر.

وقديماً كان للتعكر شهرة واسعة وكان تعكر المخلاف يضم مدناً كثيرة منها مديريات “العدين ـ ذي السفال ـ السياني ـ ذي جبلة” حيث كان المخلاف قديماً يحوي عدداً من المديريات وتحيط بالجبل من الناحية الجنوبية الغربية منطقة جميلة.

ومن الجهة الشرقية عرشان من عزلة المكتب مديرية جبلة أما الشمالية فتوجد عزلة الربادي.

ندرة المصادر

رغم أن حصن التعكر يعد من المعاقل المنيعة في اليمن بصفة عامة وفي إب بصفة خاصة إلا أن المعلومات عن هذا الحصن المنيع تظل شحيحة جداً رغم إشارة المصادر التي تحدثنا عنها سابقاً إلى عراقته وأصالته، ومع ذلك فقد كان جبل التعكر يحوي في قمته الكثير من الشواهد التاريخية مثل أثار لبرك الماء وسواقي وأثار لمدافن وعددها سبعة كما أنه وخلال زيارتنا للحصن لاحظنا وجود بركة مقضضة بمادة النورة وفيها مياه راكدة تتساقط عليها الطيور من السماء.

وتشير المصادر أن حصن التعكر لبني الصليحيين ثم للسيدة أروى بنت أحمد الصليحي، ويعد من حصون ومعاقل اليمن القديم وقد ذكره الأمير محمد بن أبان الخنفري الحميري في فجر الإسلام إذ قال في قصيدة أوردها صاحب الأكليل الهمداني.

وفوق التعكرين لنا قصور

تشاييد الشمارخة الطوال

وتشير المصادر التاريخية أن ابن المفضل بن أبي البركات طلب هذا الحصن من السيدة أروى ليقيم به، فأجابت بالقبول حتى سار إلى مدينة زبيد على رأس حملة عسكرية لمحاصرة بني نجاح فطالت غيبته مما أدى بجماعة من الفقراء إلى استغلال ذلك فقاموا بثورة على نائبه في الحصن تكللت بالنجاح، حيث قضوا على النائب وبايعوا ابراهيم بن زيدان عم عمار الشاعر أميراً لهم، وما كان من المفضل إلا أن عاد وحاصرهم لسنوات لكنه لم يستطع دخول الحصن، إلا بعد أن تفاوضت السيدة أروى مع المتمردين.

التعكر مقراً صيفياً للسيدة أروى

كان حصن التعكر قبل أن تتنازل به السيدة أروى لأبن الفضل يعد العاصمة الصيفية للدولة الصليحية، حيث كانت تقيم السيدة أروى فيه أيام الصيف أي مع موسم، تساقط الأمطار واخضرار الجبال والسهول التي يمكن رؤيتها من الحصن بسهولة نظراً لارتفاعه الشاهق.

كما مثل حصن التعكر للسيدة أروى مكاناً أمناً لخزن الذخائر والمال والحبوب حيث تؤكد الآثار الموجودة حالياً صحة ذلك ومنها الكهوف والصغيرة المنحوتة بالحجر وكانت تستخدم كمأوى ورباط للمواشي والأغنام وهذه الكهوف منحوتة بشكل هندسي بديع.

الحصن طريق تجاري

ونظراً لموقع جبل التعكر وتربع الحصن في أعلى قمة له فقد مثل هذا الموقع المتوسط للعديد من المديريات والمحافظات المجاوره ممراً تجارياً أمنناً حيث كان يمر من خلاله طريق تجارية من جبلة إلى ذي السفال ومن ثم إلى تعز وعدن وإب، ومن الجهة المقابلة طريق إلى العدين ثم الجراحي والحديدة ووصاب.. ومازالت الحانات التي كانت تأوي المسافرين وتقيهم الليل وعناء السفر موجودة حتى الآن على جنبات الطرقات، بالإضافة إلى بعض السلالم المصللة والمتعضضة حيث كانت الطريق مرصوفة بشكل كامل.

مدافن وبرك

الحصن الذي تغنى به الشعراء وافتخر به الأمراء والسلاطين وكتب عنه الأدباء والفقهاء لم يعد له اليوم من وجود سوى بضع آثار تتمثل بالمدافن والبرك حيث توجد ثلاث أبرك مائية أكبرها تلك التي تقع في الجهة الغربية وأوسطها تقع شمالاً وقد بنيت في إحدى جوانبها عتبات تتدرج من الأعلى وتحت كل عتبة حوض صغير بغرض جمع مياه الأمطار حال تساقطها وانحدارها لتستقر في حوض البركة الأم بعد أن تكون المياه تجمعت في حوض التعبئة من درجة إلى أخرى وتصل بالنهاية المياه إلى البركة وهي في حالة نقية من الشوائب والطين وبهذه الطريقة الهندسية البديعة والطبيعية كانت تتم عملية تصفية المياه في الصحن.

أما البركة الثالثة فتقع في الجهة الشرقية من الحصن وهي تعد الأقوى من بين البرك الأخرى ومازالت جدرانها مغطاه بالغضاض إلى وقتنا الحاضر، أما المدافن الموجودة في الحصن فكما تشير المصادر التاريخية فعددها سبعة مدافن منها ثلاثة عميقة جداً والأربعة الباقية أقل عمقاً، وتشير المصادر الثلاثة أن المدافن العميقة كان يطلق عليها ممن استوطنوا الحصن بمدافن جهنم وكانت تستخدم من قبل الصليحيين لخزن الذخائر وهذا يبرر سبب عمقها حيث يمكن لمن ينظر إليها من فتحة المدفن أنها واسعة وعميقة وصممت على شكل دائري، أما المدافن الأخرى فقد كانت تستخدم لخزن الحبوب والطعام وغيره.

كما أن الصليحيين لم يقتصروا على تلك البرك والمدافن فقد قاموا ويمكن مشاهدة ذلك عند صعودك إلى جبل التعكر، بعمل برك ومدافن أسفل الجبل وكانت معظمها مخصصة للحراسة التي كانت تسكن على سور الجبل من كل الاتجاهات.

إهمال

عندما تصل مع أحد السياح إلى قمة جبل التعكر وكلاً منكم يسابق أنفاسه لمشاهدة ما يشرح النفس خاصة بعد أن أخذك الحديث مسبقاً مع رفيقك الزائر أنه ما أتى إلى هذا الجبل إلا للسياحة والإطلاع على مثل هذه المعالم التاريخية والثقافية واكتشاف عادات وتقاليد المجتمع اليمني قديماً.. وبمجرد أن تصل معه إلى قمة جبل التعكر إلا وتصاب بخيبة أمل كبيرة، فقد تساوى الحصن مع الأرض تماماً فلا تعرف أين كانت السلاطين تدير أمور دولتهم؟ وأين الغرقة التي كانت الملكة أروى تطل من نافذتها لتشاهد انهمار الأمطار وتريح نفسها المتعبة من هموم ومشاكل الحكم؟ وأين أقام أبن الفضل قبل أن يذهب لردع الغزاة؟ وأين أقام الملك المكرم؟ وأين غرف الحاشية والخدم؟ وأين الحمامات التي كانت تتنوع فيها المياه بين الحار والبارد؟ كل هذا زال ولم يبق غير الأطلال تحكي لنا ولمن بعدنا وللسائح الأجنبي والعربي حكاية الزمن الذي مضى بكل أمجاده وأبطاله وبأفراحه وأتراحه وبانتصاراته.

لقد فعل الزمن بها فعلته، وبقايا لسور وأحجار جدران تئن وتتألم من غدر الزمن فيها، حتى تحولت إلى إطلال لا حول لها ولا قوة.

تدخل سريع

هنا نتساءل ونحن نتألم على ما فعله الزمن بحصن التعكر..

ما دورنا وواجبنا كسلطة محلية ومكتب آثار ومكتب سياحة وأدباء وصحفيين ومثقفين ومواطنون عاديون و.. و.. تجاه ما يجرى لحصن تاريخي وأثري كحصن التعكر الذي أصابه الإهمال وتركه وهو ينازع ويستغيث أنقذوني .. أنقذوني ؟

الحقيقة من المفروض بل الواجب علينا جميعاً أن يكون لدينا شعور بالانتماء للوطن وحبه والمحافظة على تاريخه وحضارته وكنوزه .. وأنا أدرك أننا كلنا لدينا ذلك الشعور ولكن يبقى التطبيق الفعلي لذلك،فمن علامات ودلالات حب الوطن والشعور بالانتماء إليه المشاركة الإيجابية في تنمية وتطوير قطاع السياحة والاعتزاز بموروثنا الحضاري والتاريخي عن طريق الأدوار المختلفة كلاً من مسئوليته وعمله.. والحقيقة أنني في الفترة الماضية قد سعدت كثيراً من التوجهات السليمة والصحيحة للقاضي أحمد عبدالله الحجري محافظ محافظة إب في إنشاء الجمعيات مثل جمعية “ريدان” للتراث الشعبي والتي سيكون من مهامها ـ في حال تفعيلها والبعد عن الأنانية والمصلحة الشخصية بين أعضائها ـ تقديم المشاريع حول ترميم القلاع والحصون بالمحافظة وقد بدأ العمل جدياً من قبل الأخ المحافظ بترميم قلعة سمارة بينما ترميم حصن التعكر وتأهيله يعد من أولوية القادمة كما قال لي شخصياً..

وهذا بلا شك سيعود على المحافظة السياحية والوطن بالنفع ورفد لاقتصادنا الوطني .. عندها سنعرف أهمية السياحة وسنعمل معاً على المحافظة لمقوماتها المختلفة.

الحفاظ على حصن التعكر

بهذا الشأن يقول الدكتور أحمد الوهابي ـ متخصص آثارـ بلادنا ممتلئة بالمواقع الأثرية الحيوية من شأنها رفع قيمة اليمن أمام الحضارات الأخرى في العالم.

وفي حالة تم إقرار ترميم وتأهيل حصن التعكر فأنه سيحصل عملية بحث للآثار المدفونة في موقع الجبل وهذه العملية بحاجة إلى مراعاة عند الحفر مثلاً وكذا الحفاظ على الجدران والأحجار وماهو ثابت لأن الأصل في إعادة الترميم هو الحفاظ على الآثار الموجودة وترميم ماهو آيل للسقوط ويتم التصرف مع أصول الموقع الأثرية بأسلوب علمي ومهني وعن خبرة وليس بالعشوائية .. وأكد الوهابي أهمية وجود فرق أثرية متخصصة في عملية الترميم ولها خبرة وغيرها وتعمل تحت إشراف فرق هندسية وأثرية متخصصة في الإنشاءات العمرانية.

خطوات جادة

وحول موضع ترميم حصن التعكر يقول الأخ الأمين العام للمجلس المحلي بمحافظة إب الأستاذ أمين على الورافي :ـ هناك توجه جاد لدى الأخ محافظ المحافظة القاضي أحمد عبدالله الحجري لإعادة وترميم أكثر من موقع وحصن أثري بالمحافظة.

أما بالنسبة لموضوع الترميم وإعادة بناء هذه المواقع والمباني الأثرية والتاريخية فتعتبر بالغة الكلفة المالية وتحتاج إلى ميزانية كبيرة تتوفر في أي وقت، ونحن في السلطة المحلية بالمحافظة نبذل جهوداً بالتعاون مع الهيئة العامة للآثار في هذا المجال ولا شك أن الأيام القادمة ستشهد إعادة ترميم وتأهيل قلعة سمارة وتليها خطوة أخرى مماثلة تكمن في ترميم وتأهيل حصن التعكر التاريخي والذي يدخل في صميم التراث الثقافي والتاريخي للمحافظة..

صندوق للترميم

أما الأخ الدكتور عبدالله الأحمدي فيؤكد أن عملية ترميم وتأهيل حصن التعكر باتت في الآونة الأخيرة من الضروريات .. ويجب أن تتضافر جهود الهيئة العامة للآثار والسلطة المحلية بمحافظة إب لإنجاز هذه المشاريع السياحية الهامة،خاصة وأن محافظة إب تعد محافظة سياحية من الطراز الأول.

مؤكداً على أهمية أن تدرك السلطة المحلية بمحافظة إب أهمية ما تحويه المحافظة من تراث ثقافي وأن تعمل على إيجاد صندوق خاص بها من مهامه الحفاظ على هذه الآثار والمواقع التاريخية وإعادة ترميمها سواء كانت هذه المواقع داخل المدينة أو في المدن الثانوية وفي الأرياف.

جبلة.. أجمل مدن اليمن وأطيبها هواءً.. نسمة السحر، وشقيقة القمر:إرتبط إسمها بالدولة الصليحية وأول من بناها الأمير عبدالله بن محمد الصليحي عام 458م

جبلة.. أجمل مدن اليمن وأطيبها هواءً.. نسمة السحر، وشقيقة القمر:إرتبط إسمها بالدولة الصليحية وأول من بناها الأمير عبدالله بن محمد الصليحي عام 458م



صحيفة 26سبتمبر



جامع الملكة أروى والنفق الأرضي السري والسوق القديم أهم المعالم التاريخية لمدينة جبلة





> سميت جبلة باسم يهودي يصنع الفخار واصبحت عاصمة للدولة الصليحية، تعتبر مدينة جبلة «بكسر الجيم» من أجمل المدن اليمنية واطيبها هواءً بل هي نسمة السحر وشقيقة القمر. وربة الحسن والاحسان والعلم والعرفان وملهمة الأدباء والكُتاب الذين تغزلوا بجمال طبيعتها الخلابة ورقة هوائها وعذوبة مائها كقول أحدهم مامصر مابغداد ماطبرية بمدينة قد حفها نهران وتعرف مدينة جبلة بذي جبلة.. وهي بلدة عامرة ومدينة مشهورة. تقع جنوب غرب مدينة إب على بعد حوالى(7) كيلومترات تقريباً.. وترتفع عن مستوى سطح البحر حوالى(1350) متراً.. على هضبة مسطحة في السفح الشمالي من جبل التعكر الشهير. كما تطل على وادي ضيق متخذة شكل نصف دائري بمحاذاة الوادي. وكان يطلق عليها في القدم اسم مدينة النهرين لانها تقع وسط نهرين كبيرين .. مياههما دائمة الجريان على مدار العام.







إعداد : محمد الخامري



التسمية والموقع :



ارتبط تاريخ مدينة جبلة بالدولة الصليحية التي حكمت اليمن من عام 438 -532 هجرية 1047- 1138 ميلادية . وأول من ابتنى مدينة جبلة هو الامير الكبير عبدالله بن محمد الصليحي عام 458 هجرية 1066 ميلادية وسماها جبلة . نسبة الى اسم أحد الصناع الحرفيين والذي كان من اليهود يبيع الفخار فيها قبل أن تعمر . وتقع مدينة جبلة الى الجنوب من مدينة إب وتبعد عنها (6) كيلومترات وهي عاصمة الملكة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي التي انتقلت اليها من صنعاء في العام 854 هـ وبقيت فيها حتى وفاتها في العام 532هـ حيث تم دفنها في الجامع الذي قامت هي ببنائه.

وصفها

يصل امتداد مدينة جبلة في الطول الى حوالى (900) متر، وأما عرضها فيبدو ضيقاً. ويعلق نيبور على ذلك بقوله ولذا فإنني أشك في أن يبلغ عدد منازلها ستمائة منزل.. وطرق المدينة مرصوفة وبيوتها عالية ومبنية بالحجارة كما هو الحال بالنسبة لجميع البيوت في المنطقة الجبلية ويبدو منظرها جميلاً.. وبالقرب من المدينة يسكن اليهود في قرية منفصلة. وتتميز مدينة جبلة بطابع معماري مماثل للطابع المعماري السائد بمدنية إب القديمة..

كما اشتهرت كمركز علمي وفكري لقرون عدةٍ مثل مدن صنعاء وزبيد وتريم وصعدة وذمار وغيرها. والكثير من الاراضي الخصبة من حولها موقوفة لصالح المشتغلين بالعلم من أساتذة وطلاب.. ومازالت أحدى مدارس مدينة جبلة قائمة وهي من ملحقات جامع الملكة السيدة الحرة أروى بنت أحمد. وضريحها مازال قائماً في جامعها..







عاصمة الدولة الصليحية



يقال بأن المكرم احمد بن علي الصليحي كان يرغب بالسكن في مدينة صنعاء إلا أن زوجته السيدة الحرة أروى بنت أحمد أمرته أن يحشر الناس الى الميدان فحشرهم وقالت له أشرف عليهم.. وعندما أشرف عليهم لم يقع بصره إلا على برق السيوف ولمع البيض والأسنة.. ثم انتقل المكرم مع زوجته الى مدينة جبلة وأمرته بأن يجمع الناس ويحشرهم الى ميدان جبلة فحشرهم فقالت له أشرف عليهم وعندما أشرف عليهم لم يقع بصره ألا على رجل يجر خروفاً وآخر يحمل ظرفاً فيه سمن أو عسل. وآخر يخرز نعلاً.. فقالت له العيش بين هؤلاء أصلح.. فانتقل المكرم بعد ذلك الى مدينة جبلة وأختط فيها دار العز واتخذها عاصمة للدولة الصليحية منذ ذلك التاريخ.

أهم مزاراتها السياحية :

توجد في مدينة جبلة عدد من المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية التي تشكل جزءاً هاماً من المنتج السياحي الثقافي والطبيعي وأهمها جامع الملكة أروى، والقصر، والنفق الارضي السري الذي كان يربط بين القصر وحصن التعكر، والسواقي القديمة، والسوق القديم.. وجميعها تعود الى عهد الملكة السيدة الحرة أروى بنت أحمد وان كان معظمها قد تحول الى اطلال إلاّ أنها شواهد بازرة لعصر تاريخي هام في حياة اليمن.

لابد من استغلاله سياحياً وعلى أن يقترن ذلك بجهود وأنشطة الحفاظ عليها وترميمها. ومن أهم المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية والسياحية في مدينة جبلة هي دار العز وتسمى كذلك دار السلطنة وقيل إنها كانت مكونة من (360) غرفة- أي على عدد أيام السنة - وقد اتخذته السيدة أروى مقراً لحكمها ومازالت بقايا هذا الدار قائمة حتى الآن.







مكتبة جامع السيدة :



من يدخل الى المكتبة التي تحتل مكاناً صغيراً داخل جامع السيدة أروى يشعر بالفخر لما وصلت اليه المرأة اليمنية في ذلك العصر المتقدم ليس فقط لأن الملكة اروى كانت تتربع على عرش اليمن بل لأنه كان الى جوارها نساء فاضلات عالمات، ويتضح ذلك من خلال تلك المخطوطات والكتب والشروحات عليها والتي قمن بها نساء كن في عهد الملكة حيث سطرن بأناملهن الرقيقة تلك المخطوطات والكتب بخط جميل كجمال تلك الاسماء وعقولها النابغة في العالم والمعرفة وعلى رأسهن الملكة اروى التي كانت مطلعة وعالمة بأخبار التاريخ والعلوم المعرفية الاخرى ولها العديد من التعليقات والشروحات للعديد من الكتب التي تضمها هذه المكتبة.







جامعة الملكة اروى



الجامع الكبير يقع فوق تل مرتفع وله مئذنتان يعود أقدم تاريخ للمئذنة الشرقية الى عام «747» هـ أما المئذنة الغربية فهي أكثر قدماً من الشرقية ويحتمل أن تعود للقرن الخامس الهجري لما بها من زخارف معمارية مماثلة لما عرف في الدولة الفاطمية . ينسب بناء الجامع الى الملكة السيدة الحرة أروى بنت أحمد بن جعفر الصليحي. التي تولت تدبير وحكم أمور الدولة الصليحية في اليمن للفترة من 477 -532 هجرية 1085 -1138 ميلادية وعندما انتقلت السيدة الحرة أروى بنت أحمد الى مدينة جبلة عام 480 هجرية 1087 ميلادية . أمرت بتحويل دار العز الاول الى الجامع الذي ينسب اليها. والجامع لايزال قائماً ومحتفظاً بعناصره المعمارية والزخرفية التي يتبين من خلالها مدى تأثره بأنماط العمارة الفاطمية فالعلاقة كانت طيبة ووطيدة بين الدولة الصليحية في اليمن والدولة الفاطمية في مصر، تخطيط الجامع مستطيل الشكل يتوسطه فناء مكشوف أبعاده (20، 80، 170) متراً. وتحيط به أربعة أروقة هى رواق القبلة وهو الرواق الشمالي الذي يمتد من الشرق الى الغرب ويدخل الى هذا الرواق من خلال خمسة مداخل في الضلع الجنوبي ويتكون هذا الرواق من اربع بلاطات بواسطة اربعة صفوف من الأعمدة المرتفعة بعضها مثمن وبعضها مستطيلة الأشكال وتيجان هذه الأعمدة مستطيلة وأخرى مربعة وهي تيجان حديثة . يرتكز عليها مباشرة سقف الرواق، والرواق مسقوف من الداخل توجد به مصندقات خشبية يعود تأريخها الى القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي. وقد جدد جزء منها في عام 1358 هجرية.. الرواق الجنوبي يتكون من بلاطة واحدة وبجدارة الجنوبي مدخلان يتم الوصول من خلالهما الى «المطاهير» الحمامات الموجودة في الناحية الجنوبية من الجامع. الرواق الشرقي من بلاطتين بواسطة بائكتين بكل منهما ثمانية اعمدة ترتكز عليهااعمدة مدببة. الرواق الغربي يتكون ايضاً من بلاطتين وفي الجهة الجنوبية من الجدار الغربي توجد ردهة تستخدم حالياً كمعلامة «كتاب لتحفيظ القران الكريم»، نسخة من القران الكريم تعود الى «007» سنة، يقع المحراب في منتصف الجدار الشمالي. وهو عبارة عن تجويف بسيط يبلغ عمقه حوالى «58» سم.

يعلوه عقد مدبب محمول على عمودين عليهما زخارف نباتية وهندسية ويحيط بالمحراب كتابات بخط كوفي تقرأ كالتالي بسم الله الرحمن الرحيم «اقبل على ربك وكن من الساجدين ولاتكن من الغافلين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين» وتزين تجويف المحراب من الداخل وطاقيته مجموعة من الزخارف النباتية التي تتمثل في اورق العنب، وعلى جانب المحراب كتابة بالخط الكوفي تقرأ كالتالي بسم الله الرحمن الرحيم. «انما يعمر مساجد الله» بالاضافة الى كتابات اخرى. وخزنة المحراب تسمى بالمحارة. والمحراب مطلي بالدهان الكيميائي الحديث تكاد ملامحه ضائعة.

مئذنتا الجامع :

للجامع مئذنتان احداهما تقع في الناحية الشرقية من الجهة الجنوبية. والاخري تقع في الناحية الغربية من الجهة الجنوبية.. المئذنة الشرقية تتكون من قاعدة حجرية مربعة مرتفعة يقوم عليها بدن من ستة عشر ضلعاًَ من الآجر.







ضريح الملكة :



يعتبر من اضرحة القرن السادس الهجري وأهمها على الاطلاق باعتباره الاثر الباقي من اضرحة الدولة الصليحية. وقد بني كما امرت الملكة السيدة الحرة اروى بنت احمد يقع في الركن الشمالي الغربي من الجامع بمدينة جبلة. يذكر ان الملكة السيدة الحرة اروى بنت أحمد أمرت ببناء دار العز الاول جامعا في عام (084) هجرية وهو الجامع الثاني في مدينة جبلة وبه ضريح الملكة.. وقد استثنت موضع ضريحها من بناء الجامع حيث اشارت في وصيتها وعاينها الشهود والقضاة. وقد دفنت في جامعها بذي جبلة ايسر القبلة في منزل متصل بالجامع وكانت هي التي تولت عمارته وهيأت موضع ضريحها به تزين واجهة الضريح عناصر معمارية عبارة عن دخلات على هيئة محاريب مجوفة عددها في الجدار الشرقي اربع دخلات والجنوبي دخلتان ويبلغ عرض الواحدة منها (06) سم وارتفاعها (06،01) مترا بعمق (01) سم وقد فتح مدخل في الجدار الجنوبي للضريح مما جعل المعمار لايعمل الا دخلتان فقط و يكتنف كل دخلة عمودان مندمجان ليس لهما تيجان.يقوم على العمودين عقد مدبب شبيه بعقود الدولة الفاطمية بمصر. كما يزين جدران الضريح من الخارج زخارف كتابية بالخطين الكوفي والنسخ. وقد نفذ الخط الكوفي بالحفر البارز وهو من النوع الكوفي المزهر على مهاد من التفريعات النباتية الجصية البديعة التكوين وقد نفذت الزخارف الجصية بالحروف البارزة فوق مستوى الارضية. حيث ظهر هذا الخط الكوفي المطور في القرن الحادي عشرالهجري. والذي يمتاز بنقش الكتابات على مستويين. مستوى الحروف العريضة البارزة. ومستوى الارضية من ورائها المليئة بالزخارف المستقلة في رسومها والتفاف حركاتها عن الكتابات وقد راعى الخطاط ان تكون التكوينات الزخرفية النباتية خفيفة المظهر و الحركة. بحيث تكون الحروف الكتابية بارزة على تلك الزخارف وهذه الكتابات تمثل إطاراً يدور حول واجهتي الضريح والتي تبدأ من الجهة الشرقية بالنص التالي

بسم الله الرحمن الرحيم «كل نفس ذائقة الموت. وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن....» ومن الجهة الجنوبية بالنص التالي «.. زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا ألا متاع الغرور» والحمد لله. بالاضافة الى ذلك فهناك شريط كتابي في الاعلى نفذ بخط النسخ على أرضية حمراء وهومن اعمال التجديدات التي طرأت على الضريح إذ تتشابه كتابة هذا الشريط مع الشريط الكتابي المؤطر للباب والذي يوجد به النص التالي «نصر من الله وفتح قريب» وهي تؤرخ بحساب الجمل إلى عام 1248هـ ـ 1862م كما يوجد به نصوص اخرى هي كالتالي بسم الله الرحمن الرحيم «كل نفس ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا ألا متاع الغرور. وتبارك الله رب العالمين».

«قل إني نهيت ان اعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني من البينات من ربي وامرت ان اسلم لرب العالمين» صدق الله العظم.

ويتصدر واجهة الشريط الكتابي في الجهة الجنوبية منطقة مستطيلة الشكل زينت بأشرطة كتابية نصوصها كالتالي بسم الله ا لرحمن الرحيم «لا اله الاّ الله محمد رسول الله».







متحف مدينة جبلة



متحف الملكة اقيم في الآونة الاخيرة وهو يحتوي على صالة عرض للموروث الثقافي والحضاري الذي تزخر به مدينة جبلة.. إضافة الى معروضاته من القطع الأثرية والتي يعود معظمها الى فترة العصر الاسلامي عامة. وخاصة عصر الدولة الصليحية التي حكمت اليمن خلال الفترة 438- 532 هجرية و 7401 ـ 8311 ميلادية.



وكانت مدينة جبلة عاصمة لها. وقد اقيم بجوار بقايا دارالعز ويسمى متحف الملكة اروى التاريخي ويتكون من العديد من الغرف الصغيرة التي يضمها مبنى قديم ربما كان من ملحقات دار العز يتكون من عدة طوابق، ويضم المتحف اجزاء من الأدوات والنماذج التي كانت مستخدمة في زمن الملكة اروى مثل ادوات الحرب والأكل والزراعة والحدادة والنجارة ومختلف المهن في ذلك العصر الذهبي الذي وصلت فيه الحرف الفنية الى اعلى درجات التفنن.